mardi 31 mai 2011

العمل الجمعياتي بتونس


ا لعـمـل ا لجـمعيـاتي بتونس

ـ ا لواقع والآفاق ـ

تمهيد:

ما انفكت قيمة الجمعيات، في كل بلدان العالم ، تزداد يوما بعد يوم ، وما فتأت أهميتها تتعاظم من مجتمع لآخر خاصة منذ الربع الأخير من القرن الماضي. وذلك بفعل تنامي دورها وازدياد تأثيرها في الحياة اليومية للأفراد وفي مزيد تماسك المجتمع المدني وتلاحمه.

وهذا الواقع الناشئ أدار رقاب الكثيرين نحو الجمعيات و ركز أنظارهم واهتماماتهم عليها ، إلى درجة أن التواجد داخلها أصبح من رهانات الكثير ين ، أفرادا كانوا أ ومجموعات وأحزاب سياسية . لذلك فان أي حزب سياسي في السلطة كان أو خارجها، ومهما كانت كثافة قاعدته الشعبية واتساعها ، لا يمكنه حاليا أن يمضي قدما في أداء رسالته دون أن يولي الاهتمام الكافي والضروري لهذه الجمعيات ودون أن تكون له منهجية واضحة في التعامل معها ودون أن يسعى إلى استثمار وجودها لتدعيم البناء الحضاري الذي يقوم به ولانجاح رسالته وحشد كل حظوظ التوفيق لها .

لكن وقبل التوسع في كل هذه النقاط ، لنوضح أولا معنى الجمعيات ومرجعياتها الحقوقية ولننظر في واقع وجودها في المجتمع التونسي ماضيا وحاضرا وفي مختلف أدوارها ووظائفها ، لنأتي بعد ذلك إلى تحليل كيفية التعامل معها وسبل المساهمة في تطوير العمل الجمعياتي .

تعريف الجمعية :

جاء في الفصل الأول من القانون عدد 154 لسنة 1959 والمنقح بالقانون الأساسي عدد 90 لسنة 1988 الخاص بالجمعيات أن " الجمعية هي الاتفاقية التي يحصل بمقتضاها بين شخصين أو أكثر جمع معلوماتهم أو نشاطهم بصفة دائمة ولغاية دون الغايات المادية تغنم من ورائها الأرباح " .

وإذا أردنا التوسع في هذا التعريف ومزيد توضيحه نقول أن الجمعيات هي تنظيمات مفتوحة لأصناف مختلفة من المنخرطين أو خاصة أحيانا، مثل الوداديات والمنتديات أو جمعيات المحامين والأطباء والمربين ... الخ . وأحيانا تتأسس بشكل تلقائي خارج إطار الدولة والهياكل الإدارية المعهودة أي خارج الإطار الرسمي الحكومي والإداري .

و من هذا الجانب هي تنتمي إلى نسيج المجتمع المدني وليس المجتمع السياسي ، وهي من مكوناته الحيوية والمؤثرة التي تساهم في نحته بكل ما فيه من تضامن وتكافل وقدرة على مسايرة العصر وعلى مجابهة الصعوبات والتحديات وعلى انجاز الأهداف التنموية المرسومة .

وتسمياتها قد تختلف حسب ما وقع التواضع عليه في أي مجموعة ، إذ هي أحيانا منظمات غير حكومية(ONG) وأحيانا أخرى جمعيات أو مؤسسات خيرية ، " كما تأخذ في بعض الحالات طابع هياكل معهودة مثل المعاهد المختصة أو مراكز الدراسات ... فالتسميات تختلف ولكننا نجد في هذا التشعب والكثرة والتنوع أشكالا متعددة لنفس الجوهر التنظيمي وهو الجوهر الجمعياتي " .(1)

وبهذا فان الجمعية هي غير الحزب السياسي ، الذي هو من لون واحد أساسه الالتقاء حول نفس القناعات السياسية والإيديولوجية ، كما أن مسعاه هو الوصول إلى السلطة وتوظيفها لتكريس خياراته . وهي ليست منظمة مهنية بالمعنى النقابي المطلبي للكلمة باعتبار هذه الأخيرة تهدف إلى تحقيق غايات ومنافع مادية فئوية سعى إليها منخرطوها بانتظامهم منذ الأول قبل النظر أحيانا إلى المصلحة العامة لكل الأطراف.

فالجمعيات هي انتظام تلقائي لمجموعات مختلفة الألوان والمشارب من أجل خدمة المصلحة العامة تطوعا " وعلماء السياسة يعتبرون تطور مثل هذه المنظمات حجما وتأثيرا وتنوعا مؤشرا لتطور تركيبة المجتمع المدني . وهي مظهر من المظاهر التي يجسم بها مفهوم المجتمع المدني في الحياة العامة " (2) . بل إن وجود الجمعيات يتحول عند البعض إلى ضامن لمناعة المجتمع و لاستمرار يته ، وهو ما عبر عنه الأستاذ عبد الله الأحمدي في كتابه "حقوق الإنسان والحريات العامة " عندما أكد " أن المجتمعات المبنية على الحياة الجمعياتية تصمد أكثر من غيرها أمام مختلف الهزات التي قد تنتابها نظرا لتغلغل الشعور المشترك بالمسؤولية عن الحياة اليومية وبتجذر التضامن بين الأفراد " (3) . وهذا ما تؤكده حسب رأينا تجربة المجتمعات الشيوعية التي لم تجد جمعيات و لا منظمات تدافع عنها وتحميها من الانهيار لما تداعى بنيانها، غير النزر القليل من قدماء المنتمين لهذه الأحزاب ، وذلك بسبب تغييب هذه الجمعيات عن الحياة العامة وكبتها وتهميش دورها في تصريف شؤون المواطنين وكتم أصواتهم من قبل الأنظمة الشيوعية الحاكمة .

ومن هذا المنطلق فان وجود الجمعيات مؤشر على نوعية المجتمع ، مغلقا كان أو مفتوحا حسب مصطلحات كارل بوبار ، وعلى مدى توفر هوامش الحرية والتعددية داخله وهو ما يتحول إلى مؤشر على مدى ديمقراطية النظام السياسي القائم وعلى مدى احترامه لاختيارات وآراء وقيم مواطنيه. وفي هذا الإطار ذاته قال الأستاذ رضا خماخم ، وهو قاض تونسي وباحث بمركز الدراسات القانونية والقضائية بوزارة العدل ، في كتابه " الجمعيات في تونس : دراسة حول الجوانب القانونية للنشاط الجمعياتي " : " يمثل الحق في تكوين الجمعيات أحد أبرز مظاهر الحريات العامة في العصر الحديث وذلك لما تتميز به الجمعيات من وظائف اجتماعية في ميادين متنوعة كالثقافة والرياضة والترفيه وغيرها وما تسهم به من بحث وابتكار فضلا عن كونها مدرسة للدمقراطية باعتبار أن تنظيمها الداخلي واختيار هياكلها المسيرة يقوم على طريقة الانتخاب الحر". (4)

تونس والحياة الجمعياتية :

لقد اتسمت حياة المواطن التونسي باستمرار بالتنوع والثراء ، باعتبار أن تونس كانت دائما ملتقى للحضارات وفضاء للتنوع الثقافي وعرفت الحياة الجمعياتية منذ القديم . فكانت الجمعيات المائية منذ القرون الغابرة في خدمة المجتمع الفلاحي ثم " وبتطور الحضارة العربية الإسلامية وتأسيسها على قواعد اقتصادية واجتماعية جديدة ظهرت الجمعيات ذات الطابع الاجتماعي والخيري التي اتخذت فيما بعد شكل الأحباس أو نظام الأوقاف كما يسمونه بالشرق الذي أسس لشكل معين من الجمعيات اهتمت على مدى قرون طويلة والى فجر الاستقلال بالنسبة لتونس بتعليم الفقراء والإغاثة والمساعدة في الأمور الصحية والطبية وإيواء الطلبة والمحافظة على المؤسسات الدينية أو غيرها من الأعمال الخيرية المختلفة ". (5) وبذالك ساهمت هذه الجمعيات في محاربة الجهل وفي التفقه في الدين .

أما في القرن التاسع عشر فقد انقطعت الجمعيات الثقافية لخدمة حركة التحديث والإصلاح ، مثل الجمعية الخلدونية التي أنشئت سنة 1896 ... وخلال القرن العشرين مثلت الجمعيات رافدا للحركة الوطنية وجزءا لا يتجزأ من مسيرة التصدي للاستعمار عن طريق تحصين الهوية الوطنية وتربية الشباب والتنشئة على حب الوطن ودعم العمل التطوعي وتوثيق الأخوة والتآزر بين أبناء الوطن لدعم صمودهم والارتقاء بنضاليتهم ، وهي الأهداف التي من أجلها وجدت الجمعيات الرياضية والشبابية بصفة عامة وكذلك الثقافية والحرفية والفكرية . ويمكن أن نذكر هنا الجمعية الخيرية الإسلامية التي أنشئت يوم 22 أكتوبر 1905 على يدي الشيخ محمد بن يخلف الشريف والتي كانت تقوم بكفالة اليتامى ومواساة الفقراء وتقديم العون لهم والسهر على إصلاح شؤونهم ، ثم أسست في أفريل 1907 المدرسة العرفانية وهي " مدرسة ابتدائية عربية قرآنية فرنسية لتعليم أبناء الجمعية ومن تتسع لهم من أبناء عموم المسلمين مجانا للفقراء وبمعلوم زهيد لأبناء القادرين من الموسرين "(6).

ومن أبرز الجمعيات التي يمكن ذكرها في هذه الفترة نجد جمعية طلبة شمال إفريقيا التي تأسست بفرنسا بقيادات تونسية مثل محمود الماطري ، واضطلعت بدور كبير في فضح المستعمر وفي الدفاع عن القضايا التونسية والمغاربية وفي شد أزر الطلبة التونسيين خاصة والمغاربيين بشكل عام بفرنسا ، و تمتين علاقاتهم ببعضهم وبأوطانهم .

ثم أن هذه الجمعيات لم تتردد بعد ذلك ، ومن منطلقات وطنية سامية ، في دعم بناء الدولة التونسية الحديثة بكل ما أوتيت من سبل وإمكانيات . وهاهي اليوم تناضل من موقعها لدعم بناء المشروع الحضاري التونسي المتميز .

ذلك جانب من المسيرة النضالية للجمعيات التونسية مسيرة هيأت بكل استحقاق لاستصدار عديد القوانين المكرسة لوجودها والمقننة لنشاطها ، مثل الأمر المؤرخ في 6 أوت 1936 المتعلق بالجمعيات ، والقانون عدد 154 لسنة 1959 المؤرخ في 7 نوفمبر 1959 ، وهو الذي وقع تنقيحه بالقانون الأساسي عدد 90 لسنة 1988 المؤرخ في 2 أوت 1988 ثم وقع إتمامه بالقانون الأساسي عدد 25 لسنة 1992 والمؤرخ في 2 أفريل 1992 .

كما هيأت أيضا لإقرار يوم وطني للجمعيات يقع الاحتفال به سنويا ، وأشرف عليه رئس الدولة بنفسه عديد المرات . وما ذلك إلا دليل على ما توليه بلادنا من تقدير للجمعيات وللمشرفين عليها، نابع من وعي عميق بقيمة دورها في حياة المجتمع وفي تكريس المواطنة الحقيقية التي تستدعي نسيجا جمعياتيا فاعلا ومتطورا حتى تكتمل .

وذلك اعتمادا على أن الجمعية مهما كان مجال اختصاصها هي قبل كل شيء فضاء للتمرس بالمشاركة والتكوين على قيم الديمقراطية وخدمة الصالح العام والمنافع المشتركة والتدرب على احترام الرأي المخالف والتفاعل معا الغير وشحذ مواهب الإبداع والقدرة على استنباط الجديد وتنمية روح التضحية والبذل بعيدا عن الحسابات المنفعية أو المصالح الأنانية.

وبهذا يتكرس الدور التربوي للجمعيات الذي يجعل منها مدرسة اجتماعية أو فضاء إضافيا يفعل قيم المشاركة ويجسم عملية البناء الذاتي التي يقوم بها المجتمع المدني من أجل تطوير آلياته وتحقيق أهدافه .

الواقع الحالي للجمعيات بتونس :

لقد شهد واقع الجمعيات بتونس دفعا كبيرا في السنوات الأخيرة ليصل عددها إلى حدود أفريل 2009 قرابة 9350 جمعية ، بعد أن لم يكن ليزيد عن الألفين قبل عشرين سنة ، وبالتحديد 1976 جمعية ، أي أن نسبة الارتفاع تصل إلى أكثر من 436 % باعتبار أن الزيادة تفوق 7374 جمعية .

ويعود ذلك إلى الدعم الكبير الذي شهدته الحياة الجمعياتية في تونس، وهو ما تجسد في "حذف التأشيرة وتسهيل إجراءات إحداثها (أي الجمعيات) وتصنيفها لترشيد التعامل بينها وبين الإدارة حسب الاختصاص ومساعدتها وفتح مجال التعاقد معها" (7) . وكذلك الأمر بتنقيح القانون المتعلق بها وبتأسيسها والمصادقة عليه بسرعة في أوت 1988. و مس هذا التنقيح أهم عشرة فصول كاملة من هذا القانون الذي يعد خمسة وثلاثين فصلا أي ثلث القانون ، ووقعت إضافة فصل آخر وهو6 مكرر وإلغاء الفصل 34.

وتصنف هذه الجمعيات ، حسب نشاطها وغاياتها إلى عديد الأصناف حددها القانون الأساسي عدد 25 لسنة 1992 والمتعلق بإتمام قانون الجمعيات المعروف في ثمانية أصناف هي : (8)

ـ جمعيات نسائية وعددها أكثر من 22 .

ـ جمعيات رياضية وعددها 1238 أو يزيد .

ـ جمعيات علمية وعددها 456 تقريبا .

ـ جمعيات ثقافية وفنية وعددها أكثر من 5930 .

ـ جمعيات تنموية وعددها في حدود 578 .

ـ جمعيات ودادية وعددها يزيد عن 556 .

ـ جمعيات ذات صبغة عامة وعددها في حدود 118.

ـ جمعيات خيرية واسعافية واجتماعية وعددها قرابة 452 .

(الأرقام عن جريدة الحرية ، 23 /04/2009 ص15)

ونحن إذ نذكر كل هذه الأرقام ونفصلها فلأنه يحق لنا كتونسيين أن ننوه بانجازاتنا وأن نعلنها للناس جميعا حتى يقوى إعتزازهم ببلادهم ويتدعم فخرهم بها ، وليعلم الجميع أن مسألة الحريات ببلادنا ومسألة حقوق الإنسان ليست مواضيع مزايدة ولا يرقى إليها أي شك خاصة بعد الثورة المباركة التي أنجزها شباب تونس من أجل الكرامة والحرية وإعلاء قيم الديمقراطية والمشاركة . بل " إن تونس قد سبقت العديد من الدول العربية والغربية في تقنين الحياة الجمعياتية نذكر منها مصر والأردن واليمن والد نمارك واسبانيا وغيرها " (9).

وتكوين هذه الجمعيات هو حق يكفله الدستور التونسي في فصليه الثامن والرابع والستين . أما ما تعلق بحرية تكوين جمعيات الشواذ والعاهرات ومستهلكي المخدرات ، والإرهابيين ، فالتونسيون لا يحتاجونها مجتمعهم محصن بدينه وبحضارته وبأخلاقه وتقاليده وتربيته ضد هذه الآفات التي غزت مجتمعات غربية عديدة ولم يجدوا أمامها بدا من تقنينها ومن القبول " بحريتها" . أما في تونس فنحن فمتمسكون دائما بالفصل الثاني من قانون الجمعيات لدينا والذي جاء فيه أنه " لا يمكن بأية حال أن يكون الغرض الذي عقدت من أجله الاتفاقية والغاية التي ترمي إليها مخالفة للقوانين وللأخلاق الحميدة أو من شأنها أن تخل بالأمن العام أو تنال من وحدة التراب الوطني ومن النظام الجمهوري للدولة . ولا يمكن أن يكون مؤسسو ومسيرو الجمعيات ممن حكم عليهم من أجل جناية أومن أجل جنحة ناشئة عن ارتكاب ما يمس بالأخلاق الحميدة ".

آفاق تطوير العمل الجمعياتي :

إن التعامل مع مسألة الجمعيات بالنسبة لأي وطني غيور وتحديد موقفه منها لا يمكن أن يتغاضى عن مجموعة من الحقائق والمعطيات التي يمكن أن نجملها في النقاط التالية :

1 ـ الوعي بقيمة الجمعيات في بناء المجتمع الحر التعددي وفي تطوير الحياة السياسية بالبلاد عبر تكريس الممارسة الديمقراطية وترسيخها ، وكذلك ترسيخ القيم النبيلة الضامنة لتطوير الحس الوطني ولتلاحم كل فئات وشرائح ومجمل نسيج المجتمع المدني .

وكذلك الوعي بأهمية وظائفها وثراء أدوارها التي يمكن أن نستشفها من التصنيف الذي استعرضناه سابقا .

2 ـ العمل بجد على جعل الجمعيات شريكا فاعلا لانجاز المشروع الحضاري للرئيس بن علي الذي جاء في برنامجه الانتخابي الرائد تونس الغد 11 نقطة من جملة 21 تهم الجمعيات ، وتكرس الارتقاء بها من مجال انتظارا لدعم و طلب الإحسان إلى مستوى الشراكة الفعلية والمساهمة في دعم المجهود الوطني للاستثمار والتشغيل ، خاصة باعتبار ما يتمتع به ذلك من أولوية مطلقة . وهذا تجسيد فعلي لقرار حكومي صدر يوم 21 أكتوبر 1999 بتمكين الجمعيات التنموية من إسناد القروض الصغرى ، فاستجابت له عديد الجمعيات التي بلغ عددها إلى موفى مارس 2005 حوالي 138 جمعية أسندت قرابة 118.903 قرضا بمبلغ يناهز 90,5 مليون دينار استأثرت الجهات الغربية بحوالي 52% منها . كما استفادت المعتمديات ذات الأولوية بحوالي 66,7 من مجموع هذه التدخلات . وفي ذلك دعم هام لجهود الدولة في مجال التنمية الجهوية والعناية بالمناطق الداخلية الأقل حظا . كما أنه يمثل مساعدة على الإدماج الاقتصادي والإجتماعي للفئات ذات الدخل الضعيف لإحداث موارد الرزق وتحسين ظروف العيش .

3 – الالتزام بما يوجد في أدبياتنا وفي مراجعنا الأساسية من دعوة صريحة وعلانية للانخراط في العمل الجمعياتي ، موجهة لكافة شرائح المجتمع وخصوصا المرأة التي مازال حضورها وإسهامها في هذا المجال دون المأمول ولا يتناسب مع موقعها في المجتمع أو مع تطور مكاسبها إذ أنه لا يتجاوز نسبة 41,7% من مجموع المنخرطين بالجمعيات . كما أن هذا التخصيص شمل الشباب أيضا وذلك انطلاقا من كون الجمعيات رافدا أساسيا من روافد المجتمع المدني وفضاء من فضاءات التنشئة على القيم التي نبني على أسسها مستقبلنا ، مما ، يجعل مشاركة الشباب فيها أمرا بالغ الأهمية يضفي عليها من حيويته ويفجر فيها طاقاته الإبداعية ويتربى من خلالها على قيم التسامح ويتحصن من كل أشكال التطرف والانحراف في التفكير والسلوك .

والجمعيات إلى جانب ذلك هي من فضاءات الحداثة التي يجب أن تعكس ما بلغه المجتمع التونسي من درجات التطوير والمواكبة في المجالين الفكري والتكنولوجي . ولا أدل على ذلك من التشجيع على إحداث جمعيات لنشر الثقافة الرقمية في كل الولايات مع توفير حوافز للجمعيات التي تنجز برامج لامادية ومواقع واب جديدة . وفي ذلك إيمان جلي بالدور الهام للجمعيات في إثراء الحوار الفكري والمعرفي حول التحديات التي تطرحها الثورة الرقمية المعاصرة .

وفي هذا المجال يعتبر مركز الإعلام والتكوين والدراسات والتوثيق حول الجمعيات " إفادة " آلية هامة في مجال دعم العمل الجمعياتي وتقييم أدائه وتيسير انخراطه في الاقتصاد اللامادي وضمان مواكبته لكل المستجدات .

4 – ضرورة الانتباه إلى بعض الظواهر الناشئة في المجال السياسي الحالي حيث أن " الأحزاب السياسية العصرية أصبحت تتحول شيئا فشيئا إلى أحزاب انتخابية ...(تقوم) على التعبئة في فترة محددة وحول خطاب وبرنامج سياسي محدد للنجاح في المناسبات الانتخابية المختلفة وقد ساهم في تحولها إلى هذا النمط من التنظيم عزوف الشباب والمتعلمين والإطارات عن العمل السياسي المباشر ، لا العزوف عن السياسة ... (خاصة بعد انهيار المعسكر الشرقي وانبساط العالم ذي القطب الواحد ) . وفي هذه الحالة أصبح النسيج الجمعياتي هو المكمل للفراغ التنظيمي الذي يحدثه تقلص قواعد الأحزاب أو النسيج الذي يجد فيه الحزب إمكانياته التعبوية للنجاح في الانتخابات ...لابد أن نستعد لهذه الظاهرة التي بدأ يشهدها مجتمعنا ونحن في بداية هذا القرن الجديد ." (10).وهذا الاستعداد يكون بالتأكيد انطلاقا من الشعور بواجب تغذية هذه الجمعيات وتعهدها باعتبار اقتناعنا بكونها رافدا من الروافد السياسية الهامة ، وهو ما يحتم أيضا التواجد الفاعل والمؤثر للوطنيين الصادقين داخلها .

تلك هي بعض منطلقات تعاملنا مع هذه المسألة الهامة والحيوية والتي نرسم من خلالها أهداف مباشرتنا للعمل الجمعياتي حبا لبلادنا والتزاما بمبادئنا وقيمنا ، ولكن أيضا احتياطا لكل طارئ وتوقيا من كل المفاجآت .

II – مكانة الجمعيات على المستوى الدولي :

ما انفك دور الجمعيات والمنظمات وهيئات المجتمع المدني يتنامى من يوم لآخر في كافة أرجاء العالم المتحضر الراسخ في الديمقراطية والتعددية الفكرية والتنظيمية . وأصبحت مكانتها الإجتماعية والسياسية والإقتصادية تتعاظم باطراد ، كما أصبح تأثيرها في ثناعة القرار الدولي وفي الأحداث الكونية جليا جدا .

بل إن هذه الهيئات المدنية أصبحت تمثل لوبيات ذات أدوار وأنشطة متنامية ومؤثرة حتى في هياكل وأجهزة الأمم المتحدة والتنظيمات الدولية ذاتها ، وليس في الإختيارات المحلية للدول فقط مثل تلك المتعلقة بالبيئة . ويمكن أن نستشهد هنا مثلا " بمشاركة المنظمات غير الحكومية في لجنة حقوق الإنسان وفي اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان وفي اللجان المعاهداتية المنبثقة عن الإتفاقيات والعهود الدولية " .

كما نذكر هنا أيضا بتنظيم المنتديات الموازية خلال القمم والمناسبات العالمية باسم المجتمع المدني مثل ما حدث في تونس خلال قمة المعلومات سنة 2005 وما يجري من حين لآخر خلال اجتماعات المنظمة العالمية للتجارة وخلال منتديات دايفوس وقمم الأرض .

ونلاحظ هنا أن " الفصل 71 من ميثاق الأمم المتحدة ، يمكن المجلس الاقتصادي والاجتماعي ( التابع لها من ) منح صفة استشاري ، أي ملاحظ للمنظمات غير الحكومية ، وهو ما يسمح لها بالمشاركة في أشغال هذا المجلس دون حق التصويت " وقد حصلت أكثر من 30 جمعية تونسية على هذه الصفة (11) التي تخول لها مواكبة مثل هذه المناسبات ، وفي ذلك تحول هام في قيمة ومكانة الجمعيات التونسية وفي نوعية فعلها ، بما يلبي طموحنا بأن تزداد إشعاعا وتنوع أنشطتها ومجالات تدخلها وتسعى للارتقاء للعالمية والمرور إلى فضاءات أخرى توفر مجالات أرحب للنشاط والتحرك الميداني ، بما يمكنها من تجاوز المحلية الضيقة والعمل والإشعاع كونيا . فكيف لهذه الجمعيات أن تجسم ذلك فعليا على أرض الواقع ؟

III – النسيج الجمعياتي التونسي والتحرك الخارجي :

1 – الجمعيات التونسية بالخارج

يبلغ عدد الجمعيات التونسية بالخارج 556 توجد أغلبها بفرنسا أي 283 و69 بألمانيا و68 بإيطاليا ثم 22 ببلجيكا ف17 بسويسرا و15 بالجزائر و14 بهولندا وليبيا ... الخ

أما على مستوى تصنيفها حسب نوعية أنشطتها فمنها 143 جمعية اجتماعية و95 نسائية و84 ثقافية و75 خاصة بالأجيال الجديدة و43 جمعية صداقة و38 لأولياء التلاميذ ثم 29 رياضية و25 جمعية استثمار و24 للكفاءات .

وبهذا تغطي أنشطة هذه الجمعيات التونسية بالخارج ميادين مختلفة مما يؤكد تنوعها وثراءها ويوفر لها فرص الفعل والتأثير . لكن يجب أن نلاحظ أن هذه الجمعيات المقيمة بالخارج ليست وحدها المعنية بالتحرك هنالك وبالحضور في مختلف ميادين الفعل والتأثير ودعم المساعي المبذولة من طرف القنوات الديبلوماسية الرسمية المعهودة لإبراز الصورة الناصعة لبلادنا والدفاع عن مصالحها ، فالكثير من جمعيات الداخل أيضا ، وبحكم أنشطتها وتخصصاتها ، هي معنية بذلك أيضا وقادرة عليه ومطالبة به من منطلق مسؤولياتها والتزاماتها الوطنية .

2 – حضور هذه الجمعيات وفاعليتها المرجوة بالخارج :

إن درجة النضج والتجذر التي بلغتها اليوم الحياة الجمعياتية ببلادنا يدعوها إلى تجاوز المحلية الضيقة وإلى الارتقاء إلى فضاءات أرحب توفر لها منافذ العبور إلى الكونية والحضور الفاعل والإشعاع خارج حدود الوطن ، يدفعها إلى ذلك حبها لوطنها والتزامها بالعمل على رقيه وإشعاعه أولا ، وتمتع بلادنا بشبكة من العلاقات الإيجابية ومن الإحترام لدى كل الدول وفي جميع الفضاءات بفضل ما تبذله الديبلوماسية التونسية من عمل ومن حرص على ريادة بلادنا وعلى إجلاء صورتها ودعم حضورها لدى الجميع ثانيا ، ووجود جالية تونسية محترمة وغيورة على وطنها في عديد البلدان إضافة إلى عدد من الصداقات ومن الداعمين المشيدين بتقدم تونس والمستعدين إلى مزيد دعمه وتسريعه ، وهو التوجه الذي تحرص عليه بلادنا حاليا وعيا بقيمته وجدواه ، إذ لا شك أن مكونات مجتمعنا المدني ونسيجنا الجمعياتي تملك اليوم من الوعي والكفاءة ما يؤهلها للبحث عن أدوار أشمل ومناهج أحكم لإثراء اهتماماتها وتنويع أنشطتها وتوثيق صلتها بنظيراتها في مختلف الفضاءات القارية والإقليمية والدولية من أجل نسج الصداقات وتنويع العلاقات معها في كل ما يخدم المصلحة الوطنية ويدعم مشاريعنا التنموية ويعزز مكانة تونس على الساحة الدولية . وهذا يعني أن الدعوة صريحة لكل الجمعيات التونسية بالعمل للارتقاء إلى العالمية لخدمة تونس واستغلال كل فرص دعم حضورها وإشعاعها . فكيف يمكن أن يتجسد ذلك على أرض الواقع الفعلي ؟ وما هي نوعية هذه التحركات الخارجية المطلوبة من النسيج الجمعياتي ؟

أ – التحرك السياسي :

· أهدافه :

- الدفاع عن تونس وعن تاريخها وحضارتها .

- التعريف بالنجاحات التونسية وفي طليعتها ثورة الكرامة المباركة .

- التعريف بأنموذجها التنموي وبمقارباتها وبثوابتها وكيفية تعاملها مع الأحداث العالمية .

تونس دولة فاعلة ومؤثرة على مر التاريخ ، لها استقلاليتها ولها كيانها وليست في حاجة لأخذ دروس من أي كان .

- الدفاع عن الخيارات التونسية والتعريف بها ، اقتصادية أو ثقافية أو اجتماعية أو أيضا في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية والمشاركة السياسية

· أشكاله :

لتحقيق هذه الأهداف لابد من :

- تواجد الجمعيات التونسية سواء منها الموجودة بالداخل أو بالخارج في التظاهرات الدولية ومواكبتها لها بكل فعالية .

- الدفع في اتجاه إنشاء المزيد من جمعيات الصداقة التونسية الأجنتية .

- تكثيف التواجد بالفضاء الإفتراضي ( الأنترنيت ) .

- تكثيف التواجد بوسائل الإعلام بكل أصنافها المكتوبة والمسموعة والمرئية

- النشر والكتابة .

ب – التحرك الإجتماعي :

- أهدافه :

§ المساعدة على حل مشاغل البلاد وفي مقدمتها مشكلة التشغيل وهذا هام جدا باعتبار قيمة هذه المسألة التي تمثل مشغلة تونسية محرجة .

§ العناية بأوضاع الجالية في بلدان الإقامة والمساعدة على ما يطرأ لديها من إشكالات اجتماعية وإدارية وصحية تجعلها في حاجة كبرى للإحاطة والتأطير

§ تيسير ما يحتاج إليه أبناء الجامعة عند الذهاب والإياب .

§ العناية بأوضاع الطلبة ومساعدتهم على تيسير ظروف عيشهم وشد أزرهم حيث ما وجدوا لتحقيق أبهى النتائج كما عودونا بذلك دائما ( علما وأن عدد الطلبة التونسيين بالخارج تجاوز في السنوات الفارطة الثلاثة وعشرين ألف )

§ الإستفادة من بعض المساعدات التي تقدمها الجمعيات والهيآت الإنسانية الأجنتية والدولية لبعض الهياكل المدنية المحلية ( المعوقين ، بعض الأمراض الثقيلة ... الخ )

- أشكاله :

§ تمتين الصلة بالمهاجرين واحتضانهم في جمعيات وهيآت مدنية منظمة في بلدان الإقامة .

§ متابعة أخبارهم والسؤال عليهم باستمرار وتنظيم اللقاءات بهم في المناسبات الوطنية والدينية .

§ تنظيم الإستقبالات على شرفهم في كل الجهات عند عودتهم ومساعدتهم على قضاء مشاغلهم المستعجلة خلال العطلة .

§ الإحاطة بعائلاتهم في تونس عند غيبتهم والوقوف إلى جانبها ( مسؤولية التربية والأسرة مثلا )

§ بالنسبة للتشغيل ، تشخيص القطاعات المشغلة والإعلام بها وتوجيه طالبي الشغل إليها ( لما لا جمعيات لاستقبال المهاجرين مثلا ) إذ تشير عديد المصادر أن الكثير من القطاعات بالإقتصاد الأوروبي قادرة على توفير قرابة 500 ألف فرصة عمل ليد عاملة من خارج دول الإتحاد الأوروبي سنويا وخاصة بفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا .

ويمكن للجمعيات أن تسهم بشكل كبير في كشف كيفية الإستفادة من هذه الفرص بالطرق المشروعة بعيدا عن المغامرات وعن المخاطرة وعن الطرق غير القانونية التي أصبحت هاجسا للكثير من الشباب التونسي .

+ العمل على تنقل منظم لليد العاملة إلى هنالك ، خاصة مع وجود بوادر اقتناع لدى الأوروبيين ، خاصة الفرنسيين ، بأهمية إطلاع الراغبين في الهجرة من خارج الفضاء الأوروبي على الفرص المتاحة في أكثر من اختصاص ، والتعريف بالقطاعات المستعدة لقبول يد عاملة أجنبية إنطلاقا من الرؤية الجديدة للحكومة الفرنسية بخصوص الهجرة .

+ في ايطاليا مثلا هنالك توجه إلى دعم مشاريع وبرامج الجمعيات والمنظمات للاستفادة من الحصة السنوية الكاملة للمهاجرين من خارج الفضاء الأوروبي .

وهنا نذكر الجمعية المغاربية لتنمية الموارد البشرية التي تتعاون مع الأطراف داخل إيطاليا لاستكشاف فرص العمل بأكثر من مقاطعة إيطالية ، بحيث سيقع بعث شباك موحد عن بعد يعرف المؤسسات والأفراد الراغبين في الهجرة بعروض الشغل المتوفرة وبأسرع وقت ممكن للإستفادة منها والحد بالتالي من الهجرة غير المشروعة ( + جمعية الشبكة المتوسطية للتنمية المستديمة ) .

ج – التحرك الإقتصادي :

· أهدافه :

o التعريف بالبضائع وبالمنتوجات التونسية في الخارج .

o المساعدة على تسويقها وترويجها

o المساعدة على جلب الإستثمارات الأجنتية في مختلف المجالات والتعريف بفرص الإستثمار المتوفرة ببلادنا ( في السياحة مثلا والخدمات + الطب وإقامة المصحات واستقدام المرضى وتوجيههم إلى تونس ... الخ )

· أشكاله :

o إقامة المعارض والمشاركة فيها

o إقامة الندوات التعريفية والتظاهرات الإعلامية

o تسيير الرحلات وزيارات المستثمرين إلى تونس

o تنظيم الحملات الدعائية بكل أشكالها

o التوسط في إقامة السؤاكات بين مستثمرين محليين وأجانب

o إعلام المنتجين والمستثمرين التونسيين بوضعية الأسواق الخارجية وفرص الترويج الممكنة فيها .

د – التحرك الثقافي :

· أهدافه :

o التعريف بأمجاد تونس التاريخية وبإنجازاتها الحضارية

o التعريف بالثقافة الوطنية والعمل على نشرها

o التعريف بالهوية التونسية والدفاع عنها

o التعريف باللغة العربية

o التعريف بالمقاربة الدينية التونسية ونشرها بكل توجهاتها المالكية المعتدلة والوسطية ودعوة أبناء الجالية خاصة للإلتزام بها وللاحتراس حماية لهم من التصنيف ضمن التنظيمات الإرهابية وتجذيرا لانتمائهم التونسي المالكي المتسامح ، المتضامن ، الموضوعي النابذ للعنف والغلو والتطرف ، بما يساعد على حسن اندماجهم في بلدان الإقامة

· أشكال التحرك :

o إقامة الندوات والمحاضرات والتظاهرات الثقافية

o إقامة المعارض والأمسيات

o الكتابة والنشر بكل أنواعه

o تنظيم الحفلات والإستضافات

المــراجــع :

1 أحمد عياض الود رني : المنظمات غير الحكومية في ظل التحولات العالمية . منشورات التجمع الدستوري الديمقراطي – الحلقة التكوينية الثانية – 96 -97

2 – نفس المرجع السابق

3 - محمد القبي : كيف ينظر التونسي للحياة الجمعياتية ؟ جريدة الصباح الأسبوعي 22 -5 -2000 ص5

4 – نفس المرجع السابق

5 – أحمد عياض الود رني : التجمع والحياة الجمعياتية – منشورات التجمع الدستوري الديمقراطي – الدورة التكوينية الثانية – 1991 -1992

6 – عن جريدة العقد ، عدد 1 ، 28-3-2000 ص3

7 – اليوم الوطني للجمعيات ، مقال بجريدة الحرية ، عدد 5701 ، 20 – 4 – 2006 ص 2

8 – محمد القبي ، مرجع مذكور سابقا .

9 – انظر دليل الجمعيات ، ص 18 ، منشورات التجمع الدستوري الديمقراطي .

10 – أحمد عياض الود رني : التجمع والحياة الجمعياتية .

11 - الحياة الثقافية عدد 177 ص 22 نوفمبر 2006

محمد رحومة

الإجازة في الفلسفة وماجستير علوم تربية

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire